ابن الجوزي
200
صفة الصفوة
فانطلقوا فأعلموا أباه فخرج حارثة وكعب بن شراحيل بفدائه ، فقدما مكة فسألا عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فقيل هو في المسجد فدخلا عليه فقالا : يا بن هاشم ، يا بن سيد قومه ، أنتم أهل حرم اللّه وجيرانه تفكون العاني وتطعمون الأسير ، جئناك في ابننا عندك فامنن علينا وأحسن إلينا في فدائه فأنا سنرفع لك في الفداء . قال : ما هو ؟ قالوا : زيد بن حارثة . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فهلا غير ذلك ؟ قالوا : ما هو ؟ ادعوه فخيروه فإن اختاركم فهو لكما بغير فداء ، وإن اختارني فو اللّه ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحدا . قالوا : قد زدتنا على النّصف وأحسنت . فدعاه فقال : هل تعرف هؤلاء ؟ قال : نعم ، هذا أبي وهذا عمي . قال : فأنا من قد علمت ورأيت محبتي لك فاخترني أو اخترهما . فقال زيد : ما أنا بالذي أختار عليك أحدا . أنت مني بمنزلة الأب والعم . فقالا : ويحك يا زيد أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك ؟ قال : نعم إني قد رأيت من هذا الرجل شيئا ما أنا بالذي أختار عليه أحدا أبدا فلما رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ذلك أخرجه إلى الحجر فقال : يا من حضر أشهدوا أن زيدا ابني يرثني وأرثه . فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت أنفسهما وانصرفا . فدعي زيد بن محمد حتى جاء اللّه بالإسلام فزوّجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم زينب بنت جحش . فلما طلقها تزوجها النبي صلّى اللّه عليه وسلم فتكلم المنافقون في ذلك وقالوا : تزوج امرأة ابنه فنزل : ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ [ سورة الأحزاب آية 40 ] وقال : ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ [ سورة الأحزاب آية 5 ] فدعي يومئذ زيد بن حارثة « 1 » . وعن محمد بن الحسن بن أسامة بن زيد عن أبيه قال : كان بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وبين زيد عشر سنين ، رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أكبر منه ، وكان زيدا رجلا قصيرا آدم شديد الأدمة في أنفه فطس ، وكان يكنى أبا أسامة . وقال الزهري : أول من أسلم زيد . قال أهل السير : وشهد زيد بدرا وأحدا والخندق والحديبية وخيبر ، واستخلفه
--> ( 1 ) ذكره ابن حجر في الإصابة وابن إسحاق في السيرة .